الرموز تستخم عموماً عن أمر لايخلو من الغموض عن بعض المسائل التي يصعب التعبير عنها حرفياً في صراحة ووضوح كما هو الشأن بالنسبة للرمزية في الشعر
والانسان يستخدم الكلمة المنطوقة أو المكتوبة للتعبير عن معنى ما يريد توصيله ونقله للآخرين , كما أن لغته مليئة بالرموز التي قد تكون مجرد "لفظ" أو "اسم" أو حتى "صورة" أو "شكلاً" مألوفاً في حياتنا اليومية , ولكنه يتضمن مع ذلك معاني ودلالات إضافية إلى جانب معناه الواضح الصريح المقبول. فالرمز يوحي إذن بشيء غامض أو غير معروف أو مستتر بالنسبة لنا . والكلمة أو الصورة تكون (رمزاً) حين توحي بشيء أكثر من معناها الواضح المباشر , وبذلك يكون لها جانب أو مظهر (لاشعوري) يصعب تحديده أو تفسيره بدقة وجلاء
فماهية الرمزية تتلخص إذن في إدراك أن شيئاُ مايقف بديلاً عن شيء آخر أو يحل محله أو يمثله بحيث تكون العلاقة بين الاثنين هي علاقة الملموس أو المشخص العياني بالمجرد , أو علاقة الخاص بالعام , وذلك على اعتبار أن الرمز هو شيء له وجود" حقيقي" مشخص ولكنه يرمز إلى فكرة أو معنى مجرد . فالميزان يرمز إلى العدالة , والحمامة ترمز إلى السلام , والصليب يرمز إلى المسيحية , والهلال إلى الإسلام . كذلك قد تستخدم بعض الأفعال والحركات والإشارات إلى رموز يقول الله سبحانه { قال ربِ اجعل لي آيةً قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيامٍ إلا رمزا ... } أي لاتستطيع -يازكريا - التعبير عما في نفسك إلا بالرمز وهو (الإشارة)
ومما لا ريب فيه أن العوامل النفسية تلعب دوراً هاماً في تحديد دلالة الرمز . كما أن الرمز يشمل كل أنواع المجاز المرسل والتشبيه والاستعارة بما فيها من علاقات معقدة بين الأشياء بعضها مع بعض . أما الاشارة فليس فيها سوى دلالة واحدة لاتقبل التنويع ولايمكن أن تختلف من شخص لآخر مادام المجتمع قد تواضع على دلالتها . فالمصباح الأحمر في الطريق تعارف الناس على أنه إشارة إلى معنى (قف) وليس له معنى آخر . أما إذا عُلّق على باب بيت في بعض المجتمعات فيدل على أنه بيت دعارة . وبرغم اختلاف معناه بحسب المكان الذي يوجد فيه ؛ إلا أنه في كل مكان على حدة لايعني سوى أمر واحد
والأدب الرمزي محاولة من الأديب للإفصاح عن العواطف المكبوتة في أعماق النفس البشرية , وإيحاء صور من العقل الباطن إلى قارئه مستعيناً في ذلك بجرس الألفاظ ’ وإيقاع الوزن , وتركيب الجمل ومعانيها الدقيقة , فهو أدب انطباعي يقتضي التأمل العميق لتفهم موضوعه , وتذوق فنه , والفناء في الفكرة التي خلقها الشاعر
وإذا اعتمدنا نماذج من شعر (أدونيس) في مراحل مختلفه من عطائه الأدبي : من ديوانه قصائد أولى , وديوانه (هذا هو اسمي,) وديوانه : (قبر من أجل نيويورك) . فهو في الأول اعتمد البساطة والوضوح , وفي الثاني اعتمد تشكيل القصيدة الطويلة التي تنقل رؤية غامضة عن الذات والعالم , وفي الثالث بدأ يتحلل من الإيقاع ويغرق في الغريب ويولع بالغامض .
عند البنيويين يعتبر الكلام بمثابة <الحدَث> بينما تعتبر اللغة هي <البناء> فعلى سبيل المثال قطع الملابس التي يرتديها شخص ما في مناسبة معينة بالذات هي <الكلام> بينما احتمالات وإمكانات الاختيار بين مختلف قطع الملابس وتناسقها في شكل مناسب ومنسجم هي <اللغة>
ولما كان النقاد في فرنسا يأخذون على الكتّاب الغامضين من أمثال آلان روب جرييه وغيره من أصحاب مدرسة (الرواية الجديدة) غموض كتاباتهم وما تعاني منه من إبهام نتيجة لتداخل الأحداث وعدم وجود شخصيات واضحة أو (حبكة) يمكن معرفتها بجلاء , كان ( بارت ) يُعلي من شأن هذه الأعمال الروائية ويثني على هذا النوع من الكتابة التي تطلب من القاريء إعمال الذهن لفهمها وحل غموضها , بل إنه ذهب في ذلك إلى حد القول إن أغراض الأدب تتحقق على أكمل وجه من خلال هذه الأعمال التي (لاتُقرأ) أو لايمكن قراءتها بسهولة والتي تتحدى كل توقعاتنا .
وتحتل مشكلة الكتابة الأدبية مركزاً هاماً وأساسيا في كتابات عدد من المفكرين الفرنسيين المعاصرين ممن تأثر بمدرسة سوسير بشكل مباشر أو غير مباشر . وفيليب سولير يلخص ذلك بقوله : " لم تعد المسألة الجوهرية الآن هي مسألة الكاتب وأعماله بقدر ماهي مسألة الكتابة والقراءة " .
ويرى بارت أن الكتابة الأدبية ليست أداةً للاتصال , ولاهي طريق مفتوح يمر من خلاله الكلام الذي ينقل الأفكار والآراء في غير ترتيب أو تنظيم . بل الكتابة على العكس من ذلك تماماً , لغة قائمة بذاتها ولاتهدف إلى توصيل أي نوع من الأفكار أو حتى تقريب الأفكار الغامضة غير الراسخة إلى الاذهان .. إنها تقف موقف التقابل مع الكلام , لأنها تبدو رمزية وتتجه نحو الداخل أو الباطن , بينما لايكاد الكلام يرتفع عن أن يكون مجرد تدفق لعلامات جوفاء تكتسب دلالاتها من عملية التدفق ذاتها فحسب .